في أحد مشاريعنا، أرسل مهندس الموقع طلب شراء لسيراميك، وحدد فيه المادة والموديل. استلم مسؤول المشتريات الطلب وأصدر أمر الشراء.
لم يخطئ أحد في عمله، فكل واحد منهما أدّى ما يعرف أنه مطلوب منه. ومع ذلك وصل إلى الموقع سيراميك أعلى من المواصفة المطلوبة للمشروع.
السبب أن الطلب لم يمر على مدير المشروع ولا على المهندس المصمم. لم يقرر أحد تجاوزهما، لكن لم يكن هناك ما يقول إن الطلب يجب أن يمر عليهما.
المشكلة ليست في الأشخاص
حين يحدث خطأ كهذا، يبحث صاحب المكتب أولًا عن الشخص المقصّر. لماذا لم يسأل مهندس الموقع؟ لماذا لم يراجع مسؤول المشتريات؟
لكن السؤال الأدق: أين كان مكتوبًا أن مواصفات المواد يعتمدها القسم الهندسي، حتى لو جاء الطلب من التنفيذ؟
إذا كانت الإجابة "الكل يعرف ذلك"، فالمكتب لا يملك نظامًا. يملك عادات في ذهن صاحبه وذهن بعض الموظفين القدامى. والعادات تنكسر عند أول موظف جديد، أو مشروع مستعجل، أو غياب الشخص الذي "يعرف".
نظام العمل الحقيقي هو مسار مكتوب، ويمكن مشاركته مع الفريق، ويمكن تطويره كلما ظهرت ثغرة. وكل ما عدا ذلك اجتهاد.
الاختبار: تتبّع معلومة واحدة
لا تحتاج إلى مراجعة المكتب كاملًا لتعرف إن كان عندك نظام. اختر رحلة واحدة وتتبّعها من بدايتها إلى نهايتها: رحلة المشروع، أو رحلة العميل، أو رحلة المعلومة.
أقترح أن تبدأ برحلة المعلومة، لأنها تمر على أكثر من قسم، والثغرات تظهر فيها بسرعة. خذ مثالًا من التصميم مثل ملاحظات العميل على التصميم، ومثالًا من التنفيذ مثل طلب شراء من الموقع. ثم مرّ على المحطات التالية.
- هل للرحلة بداية واضحة ونهاية واضحة؟
متى تُعتبر ملاحظة العميل "مستلمة رسميًا"؟ حين يقولها في اجتماع؟ حين يرسلها على واتساب؟ أم حين تُسجّل في نموذج؟
ومتى تُعتبر منتهية؟ حين يعدّل المصمم المخطط، أم حين يعتمد العميل التعديل؟
إذا اختلفت الإجابة باختلاف الشخص الذي تسأله، فالرحلة بلا حدود واضحة.
- هل الخطوات مكتوبة ومرتبطة بالأقسام المعنية؟
كل خطوة يجب أن تكون مربوطة بقسم أو جهة. في طلب الشراء مثلًا: التنفيذ يطلب، ثم القسم الهندسي يعتمد المواصفة، ثم المشتريات تصدر الأمر. لو كانت هذه الخطوات الثلاث مكتوبة بهذا الترتيب، لما وصل السيراميك الخطأ إلى الموقع.
- هل يعرف كل شخص متى يبدأ دوره ومتى ينتهي؟
الموظف الذي لا يعرف حدود دوره سيتصرف بطريقة من اثنتين: إما يتوقف وينتظر، وإما يتجاوز ويقرر بدل غيره. وكلاهما مكلف.
- هل طريقة الاستلام والتسليم واضحة؟
كيف يستلم الموظف المعلومة، وكيف يسلّمها لمن بعده؟ ما النموذج المعتمد؟ وما قناة التواصل المعتمدة؟
المعلومة التي تُسلَّم شفهيًا، أو تضيع بين محادثات واتساب، لا يمكن تتبّعها لاحقًا. وما لا يمكن تتبّعه لا يمكن مساءلة أحد عليه.
- هل يعرف من يستشير ومن يبلّغ؟
هنا تفيد مصفوفة RACI، وهي تحدد أربعة أدوار لكل مهمة:
R (Responsible): من ينفّذ.
A (Accountable): من يعتمد ويتحمل القرار.
C (Consulted): من يجب استشارته قبل التنفيذ.
I (Informed): من يجب إبلاغه بعد التنفيذ.
في مثال السيراميك، كان المنفّذ واضحًا. لكن لم يكن محددًا أن القسم الهندسي هو من يعتمد المواصفة، ولا أن مدير المشروع يُستشار قبل إصدار أمر الشراء. فغابت المراجعة دون أن يقرر أحد أن يُسقطها.
- هل يخرج المخرج النهائي حسب معايير مكتوبة؟
هذا أهم سؤال في الاختبار: هل جودة المخرج تأتي من معايير حددتها أنت وكتبتها، أم من مزاج وخبرة الموظف الذي اشتغل عليه؟
إذا تغيّرت جودة المخرج بتغيّر الشخص، فالمكتب يعتمد على أفراد، وليس على نظام.
كيف تقرأ النتيجة؟
لا تحتاج إلى أرقام هنا. انتبه فقط إلى طريقة إجابتك.
إذا أجبت عن كل محطة بالإشارة إلى شيء مكتوب يستطيع أي موظف الرجوع إليه، فأنت تعمل بشكل صحيح، وعندك أساس تبني عليه.
وإذا كانت إجاباتك من نوع "هم يعرفون"، أو "عادةً نفعل كذا"، أو "أنا أتابع بنفسي"، فهذا لا يعني أن فريقك ضعيف. يعني أن النظام موجود في رأسك، ولم ينتقل بعد إلى المكتب.
ماذا فعلنا بعد السيراميك؟
لم نلُم الأشخاص، بل عدّلنا المسار. أصبحت مواصفات المواد تُعتمد من القسم الهندسي، حتى لو جاء الطلب من قسم التنفيذ. وأصبح أمر الشراء لا يُعتمد قبل التأكد من اعتماد المواصفة.
كان التعديل سطرين، لكنه أغلق ثغرة كانت ستتكرر في كل مشروع.
الخلاصة
نظام العمل لا يُقاس بعدد الإجراءات المكتوبة، بل بقدرة المعلومة على الوصول من بداية الرحلة إلى نهايتها دون أن تعتمد على ذاكرة شخص واحد.
تتبّع معلومة واحدة هذا الأسبوع.
إذا وجدت محطات غير واضحة، فهذه إشارة إلى أنك تحتاج إلى مراجعة مستوى نضج مكتبك بشكل أشمل. ويمكنك البدء بتقييم EOMA.