لفترة طويلة، كنت أعتقد أن دوري كصاحب مكتب وصاحب الخبرة الأكبر هو أن أعرف أفضل طريقة لإنجاز العمل، ثم أنقلها للفريق.

كنت أضع الإجراءات، أحدد طريقة تنفيذ المهام، وأتابع التفاصيل. وإذا لم ينفذ أحد المهندسين المهمة بالمستوى الذي أتوقعه، كنت أشعر بالإحباط.

وغالباً كان أول حل ألجأ إليه بسيطاً:

أقوم بالمهمة أمامه، أريه كيف أنفذها، ثم أطلب منه أن يفعل الشيء نفسه.

كنت أعتقد أنني بهذه الطريقة أدرّب الفريق وأرفع مستوى أدائه.

لكن مع الوقت اكتشفت أنني كنت أبني شيئاً مختلفاً تماماً.

لم أكن أبني نظام عمل… كنت أبني فريقاً يجيد اتباعي.

وهناك فرق كبير بين الاثنين.

عندما يكون صاحب المكتب هو النظام

المشكلة لم تكن في وجود إجراءات أو عدم وجودها فقط، بل في طريقة تفكيري تجاه هذه الإجراءات.

كنت أعتقد أن خبرتي تعني أن طريقتي هي الطريقة الأنسب، وبالتالي كان المطلوب من الفريق أن يتعلمها ويلتزم بها.

لكن عندما بدأت أستمع أكثر للفريق، وأسمح لهم باقتراح تعديلات على الإجراءات، وتجربة أدوات جديدة، وتطوير طرق تنفيذ بعض المهام، بدأت ألاحظ شيئاً مهماً:

بعض التحسينات التي قدمها الفريق كانت أفضل من الطريقة التي كنت أفرضها عليهم.

هنا بدأت أراجع دوري كمدير.

اكتشفت أن خبرتي التي كنت أعتقد أنها تطوّر الفريق، يمكن أن تتحول إلى عائق أمام تطوره إذا استخدمتها لفرض كيف يجب أن يعمل بدلاً من مساعدته على فهم ما الذي يجب أن يحققه ولماذا.

لم تكن المشكلة أن الفريق لا يمتلك قدرات كافية دائماً.

في بعض الحالات، أنا لم أكن أعطيه المساحة الكافية حتى يكتشف قدراته أصلاً.

التفويض ليس أن تعطي المهمة وتحتفظ بالقرار

أرى هذه المشكلة اليوم بشكل متكرر عند أصحاب المكاتب الهندسية.

صاحب المكتب يقول:

"أنا أفوض فريقي."

لكن عندما تبدأ بالنظر إلى طريقة العمل الفعلية، تجد أن القرارات الحاسمة ما زالت محصورة عنده.

الموظف لديه المهمة، لكن ليس لديه مساحة كافية لاتخاذ القرار.

المهندس مسؤول عن النتيجة، لكنه يعود لصاحب المكتب في كل مرحلة.

وصاحب المكتب يشتكي في النهاية:

"الفريق لا يستطيع العمل بدوني."

وهنا يجب أن نسأل سؤالاً أصعب:

هل الفريق فعلاً غير قادر على العمل بدونك؟

أم أنك بنيت طريقة العمل بحيث لا يستطيع العمل بدونك؟

وهذا لا يعني أن نترك الموظف يعمل دون ضوابط.

على العكس تماماً.

أحد الأخطاء التي أراها هو إعطاء الموظف مساحة كبيرة دون أن نوضح له حدود المهمة: أين تبدأ؟ أين تنتهي؟ ما النتيجة المطلوبة؟ ما صلاحياته؟ ومتى يجب أن يعود لمديره؟

الاستقلالية بدون حدود واضحة قد تتحول إلى ضياع.

لكن وجود حدود واضحة، مع مساحة لاتخاذ القرار والتعلم، هو ما يساعد الفريق على التطور.

اختبار بسيط: اشرح لي رحلة المشروع في مكتبك

عندما أتحدث مع صاحب مكتب وأريد أن أفهم طريقة عمل المكتب، من أهم الأمور التي أطلبها منه:

اشرح لي رحلة العميل ورحلة المشروع داخل مكتبك.

من لحظة دخول العميل، مروراً بالتعاقد والتصميم والمراجعات والتنفيذ والمتابعة، وحتى إغلاق المشروع.

ولا أبحث فقط عن الخطوات.

أبحث عن شيء آخر:

أين يظهر صاحب المكتب في هذه الرحلة؟

إذا وجدته موجوداً في كل مرحلة، يتابع، يراجع، يحل المشكلة ويتخذ القرار، فهذه بالنسبة لي إشارة مهمة.

وإذا لم تكن هناك إجابة واضحة عن سبب وجود كل خطوة، ومن المسؤول عنها، وما الذي ينقل المشروع إلى المرحلة التالية، فوجود بعض النماذج والإجراءات لا يعني بالضرورة وجود نظام عمل حقيقي.

قد يكون لديك أدوات احترافية، برامج إدارة مشاريع، نماذج، اجتماعات أسبوعية وإجراءات مكتوبة...

لكن المكتب ما زال يعتمد على ذكاء صاحبه وخبرته وحضوره اليومي.

وهنا تظهر المشكلة بمجرد انشغاله أو غيابه:

تتأخر القرارات، يتأخر تسليم المشاريع، تبدأ الصلاحيات بالتداخل، ويعود الفريق إليه للحصول على الحل.

التطوير لا يبدأ بتغيير فريقك

عندما نلاحظ هذه المشاكل، من السهل أن نبدأ بالبحث عن موظفين أفضل أو برنامج جديد أو إجراءات أكثر تفصيلاً.

لكن قبل ذلك، أعتقد أن صاحب المكتب يحتاج إلى تغيير زاوية نظره.

بدلاً من أن يسأل فقط:

ما الإجراء الذي نحتاجه؟

يجب أن يفهم:

لماذا نحتاج هذا الإجراء؟ ما المشكلة التي يحلها؟ كيف يرتبط بباقي مراحل العمل؟ ومن يجب أن يكون قادراً على تنفيذه دون وجودي؟

لأن الهدف ليس بناء مجموعة إجراءات جميلة.

الهدف هو بناء نظام يستطيع الفريق العمل من خلاله، والتعلم داخله، والمساهمة في تحسينه باستمرار.

وهذا أحد أهم الأمور التي تغيرت في طريقة إدارتي أنا شخصياً.

لم أعد أرى أن دوري هو أن أجعل الفريق ينفذ العمل بطريقتي.

دوري أن أبني الإطار، أوضح الحدود والنتائج المطلوبة، أراقب، أوجه، ثم أترك مساحة للفريق حتى يعمل ويتعلم ويحسن النظام نفسه.

وهنا أيضاً يبدأ دوري عندما أعمل مع أصحاب المكاتب الهندسية على تطوير أنظمة عملهم.

ليس بإعطائهم مجموعة Templates وإجراءات جاهزة، بل بإعادة النظر معهم في كيف يعمل المكتب اليوم، ولماذا يعمل بهذه الطريقة، وأين يعتمد النظام على صاحبه بدلاً من اعتماده على آلية واضحة يمكن للفريق تنفيذها وتطويرها.

لذلك، قبل أن تبدأ خطة تطوير مكتبك بالسؤال:

"ما الذي يجب أن أغيره في فريقي؟"

ابدأ بسؤال أصعب:

"ما الذي يجب أن أغيره في طريقة إدارتي؟"

لأنك كصاحب مكتب قد تكون أهم عنصر في عملية التطوير.

وأحياناً… تكون أنت العائق الأول أمامها.