عملنا قبل فترة على تصميم مركز تعليمي لصالح مؤسسة، بعقد يحدد مدة التسليم بعدد أيام واضح. التزمنا بالمدة وسلّمنا المشروع في موعده. بعد التسليم طلب الاستشاري التابع للمؤسسة تعديلات وإضافات، استغرق تنفيذها مدة تعادل مدة العقد نفسها.
وبعد أن انتهينا من كل شيء، وصلتنا رسالة بفسخ العقد وخصم الدفعة الأخيرة كجزاء على التأخير.
قدّمنا تقريرًا بالمراسلات والتسليمات يثبت أننا سلّمنا في الموعد، وأن التعديلات طُلبت بعد التسليم. لم يُقبل التقرير، وكان الرد أننا لم نلتزم بموعد التسليم.
المشكلة لم تكن في غياب الدليل، بل في معنى كلمة واحدة: "التسليم". بالنسبة لنا، التسليم هو اللحظة التي أرسلنا فيها المشروع. وبالنسبة لهم، هو اللحظة التي انتهى فيها المشروع كما يريدونه.
ما الذي تغيّر
اعتمدت الهيئة السعودية للمهندسين وثيقة تعاقدية موحدة تربط صرف مستحقات المكتب بإنجاز المراحل الفعلية وتوثيقها عبر منصة إلكترونية معتمدة، ضمن أربع مراحل تبدأ بالمشروع الابتدائي وتنتهي بتسليم رخصة البناء. وبعد مهلة إضافية أقصاها خمسة أيام تُحتسب غرامة تأخير بسقف عشرة بالمئة من قيمة العقد. وإذا رفض المالك طلب الدفع، تُصدر المنصة تقريرًا فنيًا ملزمًا خلال سبعة أيام يحدد استحقاق الدفعة.
القراءة السريعة تقول إن العقد يحمي المكتب من المماطلة. وهذا صحيح جزئيًا. لكن ما يفعله العقد فعلًا هو تغيير طبيعة الخلاف: السؤال لم يعد "من صوته أعلى؟"، بل "من يملك الدليل؟".
الافتراض الخاطئ
أغلب المكاتب ستتعامل مع العقد كوثيقة قانونية: تقرأ البنود، وتنتبه للغرامة، وتضيف سطرًا في عرض السعر. وستفترض أن الاحتفاظ بالمراسلات والتواريخ يكفي لحمايتها.
تجربتنا تقول غير ذلك. كانت لدينا مراسلات وتواريخ وتسليمات، لكننا كنا نثبت شيئًا لم يُتفق على تعريفه أصلًا. عندما تكون كلمة "التسليم" مفتوحة، يصبح كل دليل قابلًا للتفسير في الاتجاهين. رسالة التسليم عندنا دليل التزام، وعندهم دليل أن العمل لم يكتمل، بدليل أنه احتاج تعديلات.
وهذا ليس حالة نادرة. في كثير من المكاتب، نهاية المرحلة غير مكتوبة. هي موجودة في رأس صاحب المكتب أو مدير المشروع: "لما العميل يرتاح للتصميم"، أو "لما نخلص الملاحظات". وهذا تعريف يتغير مع كل عميل ومع كل جولة تعديل.
المشكلة التي سيكشفها العقد إذن ليست قانونية، بل تشغيلية.
أين الخلل فعلًا
ما يطيل أي مرحلة في الغالب ليس حجم العمل، بل تعديلات العميل عندما لا تكون مرحلية ولا محددة بنطاق واضح عند كل تسليم. يأتي التعديل مفتوحًا، فتبقى المرحلة مفتوحة معه، ويتحول وقت المراجعة والتعديل إلى وقت يُحسب على المكتب.
طلب العميل للتعديلات ليس مشكلة، فهو جزء طبيعي من التصميم. المشكلة أن النظام لا يفرّق بين ثلاثة أشياء مختلفة:
تسليم للمراجعة: المكتب أنهى ما عليه، والوقت الآن عند العميل.
ملاحظات ضمن نطاق المرحلة: جولة تصحيح محددة، لها مدة معروفة.
تغيير بعد الاعتماد أو خارج النطاق: عمل جديد، له مدته، وأحيانًا تكلفته.
عندما تُعامَل هذه الثلاثة كشيء واحد، تفقد مدة العقد معناها.
والمنصة لن تعالج ذلك نيابة عنك، لأنها ستوثّق ما تعطيها. إذا كان معنى "اكتمال المرحلة" غامضًا داخل مكتبك، فستنقل هذا الغموض إلى المنصة بدل أن تحله.
المبدأ
المرحلة لا تنتهي عندما يُرسَل الملف، ولا عندما يرضى العميل. تنتهي عندما يتحقق تعريف متفق عليه مسبقًا، ويُتخذ قرار موثّق بقبولها.
هذا هو منطق Stage Gate: بوابة بين مرحلتين، لها معيار عبور واضح، وطرف يملك قرار العبور.
كيف يبدو ذلك داخل المكتب
في المكتب اليوم، نقدّم للعميل جدولًا يوضح مراحل العمل ومخرجات كل مرحلة، ويحدد هل تحتاج المرحلة اعتماد العميل للانتقال إلى التالية أم لا. هذا الجدول نقطة البداية، لأنه يحوّل أسئلة كانت ستصبح خلافًا لاحقًا إلى اتفاق مسبق.
لكن لكي يصمد تعريف المرحلة أمام خلاف فعلي، يحتاج كل بند فيه إلى أربعة عناصر مكتوبة:
- المخرجات: ما الذي يُسلَّم بالضبط، وبأي مستوى تفصيل، وما الذي يُؤجَّل عمدًا إلى المرحلة التالية.
- معنى التسليم: هل يعني الإرسال للمراجعة أم الاعتماد النهائي؟ وإذا كان الانتقال مشروطًا بالاعتماد، فكم مدة مراجعة العميل، وعلى من يُحسب هذا الوقت؟
- نطاق التعديل: كم جولة ملاحظات تشملها المرحلة، وما مدة كل جولة، ومتى يتحول الطلب إلى تغيير خارج النطاق.
- السجل: تاريخ كل تسليم، وكل طلب تعديل مع تصنيفه، وكل اعتماد. هذا ما ستقدّمه إذا طُلب منك دليل.
ويبقى عنصر داخلي لا يراه العميل: من في المكتب يقرر أن حزمة المرحلة مكتملة قبل إرسالها؟ إذا كان الجواب "صاحب المكتب دائمًا"، فهذه مشكلة أخرى تستحق وقفة منفصلة.
ماذا تقيس
راقب مؤشرين: المدة بين تسليم المرحلة واعتمادها، وعدد جولات التعديل قبل الاعتماد. إذا كانت الجولات تزيد والمدة تطول من مشروع إلى آخر، فالخلل غالبًا في تعريف المخرجات والنطاق، وليس في العميل.
سؤال لمراجعة مكتبك
خذ آخر مشروع أنهيت فيه المرحلة الابتدائية، واسأل: لو طُلب مني غدًا دليل على اكتمالها، ماذا سأرسل؟
قبل أن تجيب، افتح العقد وابحث عن كلمة "تسليم". هل هي معرّفة؟ هل تعني الإرسال أم الاعتماد؟ وهل وقت مراجعة العميل داخل مدتك أم خارجها؟
إذا كان الجواب "سلسلة رسائل واتساب"، فالخطوة الأولى ليست مراجعة بنود العقد الجديد، بل كتابة تعريف المرحلة داخل مكتبك. وإلا فقد يُسلَّم المشروع في موعده، ولن تستطيع أن تثبت ذلك.